زكاة الأثمان
(الحلقة الثالثة والعشرون)
دليل وجوبها: قال الله تعالى {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} (سورة التوبة، الآيات 24-25).
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِن صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلاَ فِضَّةٍ لاَّ يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِن نَّارٍ فَيُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يَقْضِىَ اللَّهُ بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». رواه: البخاري (2/911) ومسلم -واللفظ له- (3/70).
النصاب فيها: عن إبراهيم بن إسماعيل عن عبد الله ابن واقد عن ابن عمر وعائشة أن النبيصلى الله عليه وسلم كان يأخذ من كل عشرين دينارا فصاعدا نصف دينار ومن الأربعين دينارا دينارا. رواه: ابن ماجه واللفظ له (1791) وكذلك أخرجه الدارقطني (199) من هذا الوجه وقال البوصيري في "الزوائد" (113/1): إبراهيم بن إسماعيل ضعيف.
لكن للحديث شواهد يتقوى بها. ونذكر منها ما أخرجه أبو عبيد في الأموال (408/1106) عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري: أن في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كتاب عمر في الصدقة أن الذهب لا يؤخذ منه شيء حتى يبلغ عشرين دينارا، فإذا بلغ عشرين دينارا ففيه نصف دينار، والورِق لا يؤخذ منه شيء حتى يبلغ مائتي درهم، فإذا بلغ مائتي درهم ففيها خمسة دراهم.
قلت: وصحح حديث إبراهيم بن إسماعيل بشواهده شيخنا الإمام المحدث الألباني في كتابه "إرواء الغليل" (3/ 292).
صدقة الْوَرِقِ ويقال له أيضا الرِّقَةُ:
عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِّنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ…» رواه: مسلم (3/67) وأبو نعيم في "المستخرج" (16/37/2) والطحاوي (1/314).
وفي كتاب الصدقة الذي كتبه أبو بكر رضي الله عنه لأنس حينما وجهه إلى البحرين "… وفي الرِّقَةِ في مائتي درهم ربع العشر، فإن لم يكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها" رواه: البخاري وغيره (2/100).
قال النووي في شرح مسلم (7/48) ما نصه: "… فنصاب الفضة خمس أواقٍ، وهي مائتا درهم بنص الحديث والإجماع، وأما الذهب فعشرون مثقالا والمعول فيه على الإجماع…".
ونقل الزيلعي في "نصب الراية" (2/ 369) أن ابن قتيبة قال: الرقة الفضة سواء كانت الدراهم أو غيرها.
* طالع في الحلقة القادمة:
زكاة عُرُوضِ التجارة
- التفاصيل
- الزيارات: 0
قضاء الدين من المال قبل إخراج الزكاة منه
(الحلقة الثامنة والعشرون)
عن ابن عيينة عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: سمعت عثمان يقول: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه وزكوا بقية أموالكم. أخرجه بسند صحيح: ابن أبي شيبة في "المصنف" وأخرج نحوه بإسناد على شرط الشيخين أبو عبيد في "الأموال" من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن هشام وروى نحوه مالك (1/253) وعنه الشافعي (1/237) وكذا البيهقي (4/148).
تفريق الزكاة:
يسن للرجل أن يتولى تفرقة زكاة ماله بنفسه ليتيقن وصولها إلى مستحقيها:
عن أبي سعيد المقبري قال: جئت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمائتي درهم، قلت يا أمير المؤمنين هذا زكاة مالي قال: أو قد عقدت يا كيسان؟ قال: قلت: نعم قال: اذهب بها أنت فاقسمها. أخرجه: بإسناد حسنه شيخنا الإمام الألباني في الإرواء (3/ 342). والبيهقي (4/114) وأبو عبيد (1805).
لا يحل لمتصدق شراء ما تصدق به:
عن زيد ابن أسلم عن أبيه أنه قال: سمعت عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يقول: حَمَلْتُ على فرس عتيق في سبيل الله، وكان الرجل الذي هو عنده قد أضاعه -أي ترك القيام عليه- فأردت أن أشتريه منه وظننت أنه بائعه برخص، فسألت عن ذلك رسول اللهصلى الله عليه وسلم فقال: «لاَ تَشْتَرِهِ وَلاَ تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ». أخرجه: البخاري (3/279) ومسلم (5/63) والنسائي (1/367) والبيهقي (3/151) وأحمد (1/40) كلهم عن مالك وهو في الموطإ (1/282/49).
والحديث عند الشيخين أيضا من طرق أخرى وأبي داود (1593) والترمذي (1/130) وابن ماجه (2390) وابن الجارود (362) والبيهقي وأحمد (1/25).
تعجيل الصدقة قبل أن تحل:
عن إسماعيل بن زكرياء عن الحجاج بن دينار عن الحكم عن حجية بن عدي عن علي: أن العباس بن عبد المطلب سأل النبي صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحل؟ فرخص له في ذلك. أخرجه: أبو عبيد في "الأموال" (1885) وأبو داود (1624) والترمذي (1/131) والدارمي (1/385) وابن ماجه (1795) وابن سعد في "الطبقات" (4/17) والدارقطني (212-213) والحاكم (3/332) والبيهقي (4/111) وأحمد (1/104) وابن الجارود في "المنتقى" (360) كلهم عن سعيد بن المنصور عن إسماعيل بن زكرياء.
وقال ابن الجارود عقبه: قال يحيى بن معين: إسماعيل بن زكرياء الخلقاني ثقة، والحجاج بن دينار الواسطي ثقة.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد؛ ووافقه الذهبي.
قلت: قال شيخنا الإمام الألباني رحمه الله في "الإرواء" (3/ 347): إن الحجاج بن دينار وحجية ابن عدي مختلَفٌ فيهما، وغاية حديثهما أن يكون حسنا. (منه بلفظه).
ولهذا الحديث الذي حسنه الشيخ شواهد يتقوى بها؛ أذكر منها:
عن شعيب: حدثنا أبو الزناد… «فَهْيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا». أخرجه: البخاري (3/262-263) وقال: تابعه ابن أبي الزناد عن أبيه. ووصل الحديث أبو عبيد في "الأموال" (1897): حدثنا أبو أيوب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه به. وقال أبو عبيد في "الأموال" (ص 593): فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَصَدَقَتُهُ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا» يبين لك أنه قد كان أخرجها عنه، ثم جعلها دينا عليه، يأخذه منه. فهو في الحديث الأول قد تعجل زكاته منه، وفي هذا أنه أخرها عنه، ولعل الأمرين جميعا قد كانا.
وقد روى بعضهم حديث العباس: أن النبي صلى الله عليه وسلمقال: «وَأَمَّا صَدَقَةُ الْعَبَّاسِ فَهْيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا». فإن كان هذا هو المحفوظ فهو مثل الحديث الأول الذي ذكرناه عن إسماعيل بن زكرياء في تعجيلها قبل حلها وكلا الوجهين جائز. (منه بلفظه).
قلت: ويفهم من كلام أبي عبيد هذا ترجيحه لحديث إسماعيل بن زكرياء في الرخصة في تعجيل الصدقة قبل أن تحل. ولعل هذا التعجيل يكون له سبب معين. ويشهد لهذا ما أخرجه الدارقطني عنالحسن بن عمارة عن الحكم عن موسى بن طلحة عن طلحة أن النبيصلى الله عليه وسلم قال: «يَا عُمَرُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟ إِنَّا كُنَّا احْتَجْنَا إِلَى مَالٍ فَتَعَجَّلْنَا مِنَ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ مَالِهِ لِسَنَتَيْنِ».لكن قال الحافظ ابن حجر إن ابن عمارة متروك الحديث. والله أعلم.
* طالع في الحلقة القادمة:
مصارف الزكاة
- التفاصيل
- الزيارات: 0
الصفحة 29 من 62