ما يبطل الصيام ولا يوجب الكفارة
(الحلقة الخامسة)
1- الأكل والشرب عمدا يوجب كل منهما القضاء بغير كفارة.
قلت: فالفطر بدون عذر شرعي يعرض صاحبه لغضب الجبار سبحانه وتعالى وعذاب النار وهو أشر كما قال الإمام البيهقي من الزنا وشرب الخمر.
واتفق الفقهاء جميعا على أن المفطر عمدا بغير عذر شرعي يجب عليه القضاء ولكنهم اختلفوا في وجوب الكفارة في حقه:
فذهب الإمام مالك ـ رحمه الله ـ في المشهور عنه إلى القول بوجوب الكفارة على كل ما كان هتكا للصوم إلا الردة.
وحكي عن عطاء، والحسن، والزهري وسفيان، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق: أن الفطر بالأكل والشرب يُوَجِّبُ ما يوجبه الجماع: يعني القضاء والكفارة.
وهو رواية عن أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ إلا أنه اعتبر ما يتغذى به أو يتداوى به في وجوب الكفارة، وعليه فلو ابتلع غير ذلك فلا كفارة عليه.
وقال عبد الملك من المالكية : من أكل ناسيا أو شرب ثم أكل متعمدا في يومه ذلك فلا كفارة عليه فإن جامع عامدا في يومه ذلك كَفَّرَ. (الكافي في فقه أهل المدينة المالكي لابن عبد البر، ص125).
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن المفطر عمدا بالأكل والشرب لا يجب عليه إلا القضاء. والجمهور هم: الشافعية، والحنابلة وهو رواية عن مالك وأبي حنيفة وبه قال: سعيد ابن جبير، وابن سيرين، والنخعي، وداود، وحماد بن أبي سليمان.
وقال الجمهور: لا يوجد نص ولا إجماع على وجوب الكفارة على المفطر بالأكل والشرب عمدا بغير عذر شرعي. وقالوا: أن القياس في العبادات باطل أصلا والواجبات لا تكون إلا بدليل شرعي.
وعلى هذا لا يصح قياس الأكل والشرب على الجماع لأن الحاجة إلى الزَّجْرِ عن الجماع أَمَسَّ والحكم في التعدي به أكَّدَ ويَفْسُدُ به الحج ـ أي الجماع ـ دون باقي محذوراته، وأوجبت الفدية في الجماع لأنه يفسد صوم اثنين.
وقول الجمهور بأن لا كفارة إلا في الجماع وحده هو الذي رجحته ـ باختصار ـ في الطبعة الأولى من هذا الكتاب وأنكره علي بعض المتعصبين لمذهبهم. وما توفيقي إلا بالله.
وأما الأكل والشرب ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم-كما رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وباقي الجماعة؛ من طريق أبي هريرة-: «مَن نَّسِيَ وَهْوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا اللَّهُ أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ». وعنه أيضا أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلاَ كَفَّارَةَ». رواه الدارقطني، والبيهقي، والحاكم؛ وقال: صحيح على شرط مسلم، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح.
2- القيء عمدا:
عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ». رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم؛ وصححه.
3- الحيض والنفاس: (وقد تقدم ذكرهما).
4- الاستمناء؛ مع فعل ما يوجبه.
5- تناول ما لا يُتَغَذَّى به من المنفذ المعتاد إلى الجوف، كابتلاع حجر وما أشبه ذلك.
6- من عقد العزم على الفطر وهو صائم بطل صومه -وإن لم يتناول مفطرا- لأن النية ركن من أركان الصيام كما تقدم ذكره.
ما يبطل الصيام ويوجب القضاء والكفارة
الجماع -لا غير- هو الذي يوجب القضاء والكفارة معا؛ لما رواه البخاري، ومسلم، واللفظ له؛ مع باقي الجماعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال-: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلكتُ يا رسول الله. قال:«وَمَا أَهْلَكَكَ»؟ قال: وقعتُ على امرأتي في رمضان. قال: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً»؟ قال: لا. قال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَن تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»؟ قال: لا. قال: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قال: لا. قال: ثم جلس، فأُتِيَ النبي صلى الله عليه وسلم بِعَرَقٍ فيه تمر، فقال: «تَصَدَّقْ بِهَذَا» قال: أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ».
* طالع في الحلقة القادمة:
قضاء رمضان
- التفاصيل
- الزيارات: 0
أحكام الاعتكاف
(الحلقة التاسعة)
الاعتكاف سنة وليس بواجب
ومعناه لغة: لزوم الشيء وحبس النفس عليه خيرا كان أم شرا. ومعناه شرعا: المقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة.
ومن خصائص العشر الأواخر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف فيها. وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر
من رمضان حتى توفاه الله عز وجل ثم اعتكف أزواجه من بعده. وروى البخاري عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما.
أركان الاعتكاف:
الإسلام، والتمييز، والعقل، والطهارة -من الجنابة، والحيض، والنفاس- والنية.
مبطلاته:
الردة عن الإسلام، ذهاب العقل، الحيض، النفاس، قطع النية، الجماع أو الإنزال. قال الله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ في الْمَسَاجِدِ} (سورة البقرة، الآية: 187).
شروطه:
روى الإمام البيهقي وأبو داود والدار قطني بسند صححه الإمام الألباني في "الإرواء" عن عائشة رضي الله عنها قالت: السنة في الاعتكاف أن لا يخرج إلا لحاجته التي لا بد منها ولا يعود مريضا ولا يمس امرأته ولا يباشرها، ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة، والسنة فيمن اعتكف أن يصوم.
ما يجوز للمعتكف
1 - يجوز له الخروج لأمر لا بد منه طبعا أو شرعا -كحاجة البول- كما في حديث عائشة المتقدم؛ أو للوضوء، والأكل، والشرب، بشرط أن لا يمكن ذلك في المسجد. والوضوء الخفيف في المسجد لا بأس به؛ لما أخرجه أحمد بسند صحيح عن رجل خَدَمَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: توضأ النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد وضوءا خفيفا.
2 - وللمعتكف أن يخرج رأسه من المسجد ليغسل ويسرح لما رواه البخاري، ومسلم، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل عليَّ رأسه وهو معتكف في المسجد، وأنا في حجرتي، فأرجله (وفي رواية: فأغسله) وإن بيني وبينه لعتبة الباب وأنا حائض، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفا.
3 - ويجوز للمعتكف أن يتخذ خيمة صغيرة في مؤخرة المسجد يعتكف فيها لما رواه البخاري، ومسلم، أن عائشة رضي الله عنها كانت تضرب للنبي صلى الله عليه وسلم خباء إذا اعتكف؛ وكان ذلك بأمره.
ـ ويجوز للمعتكف أن يضع فراشه في خيمته؛ لما رواه ابن ماجه، والبيهقي بسند حسن، عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف طرح له فراشه -أو يوضع له سرير- وراء اسطوانة التوبة.
4 - ويجوز للمعتكف أن يقطع اعتكاف التطوع متى شاء لما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه وإنه أراد مرة أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فأمر ببنائه فضرب. قالت: فلما رأيت ذلك أمرت ببنائي فضرب؛ وأمر غيري من أزواج النبي r ببنائه فضرب فلما صلى الفجر نظر إلى الأبنية فقال: «مَا هَذَا؟ آلْبِرَّ تُرِدْنَ»؟ قالت: فأمر ببنائه فقوض وأمر أزواجه بأبنيتهن فقوضت ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الأول (تعني من شوال).
5 - وللمعتكف أن تزوره زوجه، وله أن يودعها إلى باب المسجد؛ لما رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، عن صفية رضي الله عنها؛ قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم معتكفا في العشر الأواخر من رمضان، فأتيته أزوره ليلا وعنده أزواجه فرحن، فحدثته ساعة، ثم قمت لأنقلب، فقال: «لاَ تَعْجَلِي حَتَّى أَنصَرِفَ مَعَكِ» فقام معي ليقلبني -وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد- حتى إذا كان عند باب المسجد الذي عند باب أم سلمة فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنتُ حُيَيٍّ» فقالا: سبحان الله يا رسول الله! قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَّقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا» أو قال: «شَيْئًا».
ـ ويجوز للمرأة أن تعتكف -مع زوجها أو وحدها- لما رواه البخاري، ومسلم، عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده.
* طالع في الحلقة القادمة: ليلة القدر
- التفاصيل
- الزيارات: 0
الصفحة 39 من 62